الأربعاء، ١٣ شوال ١٤٤٧ هـ

الملاذ في تحرير طرق حديث جابر وقصة معاذ

157 مشاهدة 2025/12/24

 Ø 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبعد: 

  لقد استوقفتنا مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل، نظرا لما تكتسيه من أهمية، وذلك لما تضمنته من خلاف قديم متجدد، بين أهل العلم؛ حيث أن طائفة تمنع هذا الاقتداء مطلقا، وهم الجمهور، وقد عزا ذلك غير واحد من أهل العلم إلى الأحناف، والمالكية، ومشهور الحنابلة، واحتجت هذه الطائفة التي تقول بعدم صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، أو اقتدائه بمن يصلي فرضا آخر مغايرا للذي يصليه المأموم، احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ))

   فاعتبر الجمهور اختلاف النية بين الإمام ومأمومِيه اختلافا مؤثرا، اعتمادا على ظاهر هذا الحديث، ولكون هذا النهي يُعتبر عاما تدخل فيه كل أنواع المخالفة، إلا ما استثناه الدليل، ومما استثناه الدليل هنا مثلا: جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، وهو قول الجمهور، وهذا لورود النص الصريح الصحيح في ذلك، منه ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث جابر بن يزيد بن الأسود العامري عن أبيه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال فلما قضى صلاته وانحرف، إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: (( عليّ بهما ))، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: (( ما منعكما أن تصليا معنا؟ )) فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: (( فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة ))

   وأما ما لم يستثنه دليل صريح صحيح، فهو باق على الأصل الذي هو عدم جواز الاختلاف، بين الإمام ومأموميه، ويستوي في ذلك الاختلاف في النية، والاختلاف في الأقوال، والاختلاف في الأفعال، إذ النهي شامل لكل ذلك.

   وفي مقابل هذا القول بالمنع ذهبت طائفة أخرى من أهل العلم، وهم عامة الشافعية وكثير من الحنابلة، إلى جواز الاختلاف في النية، وأنه اختلاف غير مؤثر، واحتجوا على ذلك بحديثين، أشهرهما حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، حيث يُفهَم منه أنه كان يؤم قومه ويصلي بهم متنفلا وهم مفترضون. وهذا الحديث هو الذي يلزمنا أن نقف عنده مطولا؛.

   ومن أجل ذلك لابد أن نعرف أولا: أن أصل هذا الحديث في الصحيحين، وأنه من حيث الجملة حديث صحيح لا مطعن في صحته؛ وهذا ما لا يناقش فيه أحد البتة. وإنما النقاش هو حول جملة واحدة وردت في بعض طرقه، وهي التي تشبث بها القائلون بجواز اختلاف نية المأموم مع نية إمامه. ومن أجل الوصول إلى ما نريد بيانه، لا بد من بحث هذا الحديث بحثا علميا متأنيا، وطريقة ذلك تأتي من خلال الخطوات التالية:

   أولا: إن شهرة هذا الحديث قد جعلت بعض الباحثين، وجُلُّ الفقهاء يكتفون بمجرد عزوه إلى الصحيحين، وحُق لهم ذلك، لأن صحة ما فيهما تغني عن البحث في كثير مما يخرجانه، ووجود الحديث فيهما، أو في أحدهما، تجعل الإنسان يحكم بصحته مباشرة، بعد ثبوت وجوده عندهما، ومن غير أن يحتاج إلى النظر حتى في التغاير الحاصل في ألفاظ الرواة، وطرق الرواية، وهذا مسلك سليم لا يعكره وجود أحاديث يسيرة تعد على رؤوس الأصابع قد يتحفظ الناقد البصير في بعض حروفها، وهذا باعتبار اصطلاح المحدثين. 

  وما ذكرناه من الثقة في الصحيحين، فهي ثقة حازاها بكل جدارة واستحقاق، وباعتراف ألدّ أعداء الأمة، وأشد خصوم السنة، فهنيئا لنا معاشر المسلمين بهذين الكتابين الجليلين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

   إلا أن هذه الثقة جعلت الكثيرين يكفيهم أن يقول قائل: إن أصل هذا الحديث في الصحيحين، فيعتمدون على ذلك ويبنون عليه الأحكام، من غير مقابلة بين الألفاظ المعزوّة لهما، وبين ما فيهما بالفعل، وهذا بدوره نتج عنه أننا صرنا نعزوا لهما بعض الألفاظ التي لا توجد عندهما، فقط باعتبار وجود أصل الحديث عندهما، وقلَّد المتأخر المتقدم لِما وجده في المسألة من توفير للجُهد والوقت، ثم يأتي متأخر آخر ويعتمد على الذي قبله، وهكذا دواليك. ولعل هذا الحديث الذي بين أيدينا مثال واقعي قد نكتشف فيه بعض آثار هذا الأمر. 

    فنقول وبالله التوفيق، إن هذا الحديث الذي تضمن قصة صلاة معاذ، لا يُروى إلا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ورواه عن جابر أربعة من كبار أصحابه، وهم على التوالي: عمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي، ومحارب بن دثار، وعبيد الله بن مِقْسم. ويرويه عن كل واحد من هؤلاء الأربعة بعض من أصحابه من أئمة الحديث. فاعتمد البخاري رواية اثنين من أصحاب جابر، وهما عمرو، ومحارب، وأشار إلى أن عُبيد الله وأبا الزبير قد تابعا محاربا على روايته، فذكروا كلهم أن معاذا إنما كان يصلي العشاء ويقتدي به قومه فيها.

   وقد أورد البخاري هذا الحديث في خمسة مواضع من الجامع الصحيح، وليس في واحد منها أن معاذا رضي الله عنه حين كان يؤم قومه، أنه إنما كان  يفعل ذلك متنفلا وهم مفترضون، كما ليس في أي منها أنه كان يصلي معيدا لنفس الصلاة التي سبق وأن صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإليك تلك المواضع الخمسة التي أورد فيها هذا الحديث، حيث ذكره في أربعة أبواب متفرقة من الجامع الصحيح. فهاهي الأحاديث على وفق ترقيمها في صحيح البخاري: 

  (700) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. 

  (701) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَصَلَّى العِشَاءَ ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ : فَاتِنًا ، فَاتِنًا ، فَاتِنًا - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ ، قَالَ عَمْرٌو : لاَ أَحْفَظُهُمَا.

  (705) حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ ، قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي ، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُعَاذُ ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ - أَوْ أَفَاتِنٌ - ثَلاَثَ مِرَارٍ : فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ، وَمِسْعَرٌ ، وَالشَّيْبَانِيُّ ، قَالَ عَمْرٌو ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ : عَنْ جَابِرٍ ، قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ ، وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ ، عَنْ مُحَارِبٍ. 

  (711) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَبُو النُّعْمَانِ ، قَالاَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ.

  (6106) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلاَةَ ، فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ ، قَالَ : فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا ، فَقَالَ : إِنَّهُ مُنَافِقٌ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا ، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ ، فَتَجَوَّزْتُ ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُعَاذُ ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ - ثَلاَثًا - اقْرَأْ : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَنَحْوَهَا. 

   ولم يأت البخاري مطلقا بهذا الحديث في غير هذه المواضع التي أوردناها لك كما هي بحروفها. فأول ملاحظة هنا أن من يقولون بأن معاذا كان يصلي بقومه متنفلا وهم مفترضون، ويعزون ذلك للبخاري، فهؤلاء النقلة ربما وقع لهم نوع من الوهم، مرَدُّه إلى التقليد في العزو، من غير تثبت ولا مقابلة للمصادر.

   وأما مسلم فقد أورد هذا الحديث بأربعة ألفاظ متتالية في كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء. تحت رقم: (465) وإليك تلك الألفاظ كما هي، قال:

  (465) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ : أَنَافَقْتَ ؟ يَا فُلَانُ ، قَالَ : لَا . وَاللَّهِ وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ . فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا قَالَ سُفْيَانُ : فَقُلْتُ لِعَمْرٍو، إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ : اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَقَالَ عَمْرٌو نَحْوَ هَذَا.

  (465) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، ح قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ . فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا . فَصَلَّى فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى.

  (465) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ.

(465) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ. 

  وقد اعتمد مسلم رحمه الله تعالى في معرض إيراده لهذه القصة على رواية اثنين من أصحاب جابر، وهما عمرو بن دينار، وأبو الزبير؛ رَوى عنهما الحديث من أربعة طرق.

  ولا شك أن هذه الألفاظ التي أوردها مسلم قد جاء في ثلاثة منها أن معاذا رضي الله عنه قد كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يذهب إلى أهله. فلم يبق أمامه بعد تأديته الفرض، بناء على ظاهر هذه الروايات، لم يبق أمامه إلا النفل، بعد أن كان قد أدى الفريضة  خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مفهوم لا غبار عليه. 

  إلا أن الناظر إلى هذه الأحاديث يستوقفه أمران مهمان؛ أولهما: أن البخاري رحمه الله تعالى في الألفاظ الخمسة التي أوردها، لم يذكر في أي منها أن معاذا كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنه كان يصلي متنفلا، بل الذي جاء مصرحا به عنده: أنه إنما كان يصلي العشاء، وعند الإطلاق لا يتبادر إلا ما هو معتاد ومعروف من لفظ: صلاة العشاء. وهو أنها الفريضة. حيث قال في رواية عمرو بن دينار عن جابر، .... ثُمَّ يَرْجِعُ ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَصَلَّى العِشَاءَ   ..... وقال في رواية محارب بن دثار عن جابر .... أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي..... ثم قال البخاري في ذكره لمتابعة القوم لمحارب على روايته قال ..... قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ . 

   وأما الشيء الثاني الذي يستوقف الباحث هنا، فهو: أنك تلاحظ أنه قد حصل تباين بين ألفاظ الرواة، نتج عنه تباين في الفهم أيضا، وهذا يتطلب منا إيراد مزيد من ألفاظ هذا الحديث كما هي في بعضٍ من بقية دواوين السنة، فنجد أن الترمذي مثلا، لم يورد من طرق هذا الحديث إلا لفظا واحدا، وهو كما يلي، قال الترمذي: 

  (583) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ. 

   وهو نص صريح، قوي الدلالة على أن معاذا إنما كان يصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي العشاء مع قومه، وهذه الرواية تسلسلت بالحفاظ من أولها إلى آخرها، وهم قتيبة، حماد بن زيد، وعمرو بن دينار؛ وإذا تقصينا هذه الألفاظ التي تم إيرادها حتى الآن، نجد أنها كلها تدور على ثلاثة من أصحاب جابر، وهم عمرو بن دينار، وأبي الزبير، ومحارب بن دثار، ثم روى عن كل واحد من هؤلاء بعض أصحابه، وتفصيل رواياتهم على النحو التالي: 

   فأما عمرو بن دينار فقد روى عنه هذا الحديث كل من شعبة بن الحجاج، وأيوب السختياني، وسليم بن حيان الهذلي، وسفيان بن عيينة، ومنصور بن زاذان الواسطي، وحماد بن زيد، وابن جريج، وحبيب بن يحيى، وهشام الدستوائي. وأما محارب فقد روى عنه هذا الحديث شعبة بن الحجاج، وسعيد بن مسروق، والأعمش، وأما أبو الزبير فرواها عنه الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وابن جريج.

   وإذا بدأنا بتحرير الروايات التي جاءت من طريق عمرو بن دينار، والتي قلنا أنها وصلتنا بنقل تسعة من أصحابه، وهي أكثر الطرق تباينا، وتعارضا؛ وذلك أن من الرواة الذين رووا عنه من ذكر أن معاذا كان يصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب إلى أهله فيصلي بهم، ومنهم من قال بأنه إنما كان يصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي بقومه العشاء، ومنهم من لم يحدد شيئا من ذلك، ولم يذكر تفصيلا صريحا في المسألة.

   ومن أجل بسط الموضوع وجمع شتاته، حتى يسهل استيعابه، سنبدأ بذكر الألفاظ التي أتت عن الرواة عن عمرو بن دينار، الذين لم يُفصلوا في المسألة، ولم يأت عنهم تحديد لنوع الصلاة التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تلك التي يصليها مع قومه، ثم نُتبع ذلك بذكر الطرق التي فيها أنه إنما كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونختم هذا القسم من البحث بإيراد الطرق التي جاء فيها أنه إنما كان يصلي فقط المغرب في المسجد النبوي، ثم يصلي العشاء بقومه.

   وبتتبع طرق الحديث التي جاءتنا عن عمرو، وهو عن جابر، على وفق التقسيم الذي ذكرناه، سيتضح لنا ما يلي: 

   أولا بالنسبة لسليم بن حيان وكذا هشام الدستوائي فلم يأت في روايتهما عن عمرو تحديد لنوع الصلاة التي كان معاذ يؤم فيها قومه، ولفظ سليم عند البخاري:   

 (6106) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلاَةَ ، فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ ، قَالَ : فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا..... فسليم هنا لم ينقل لنا عن عمرو تحديد أي صلاة، بل جاء بإطلاق هكذا، كما هو واضح. 

   وكذلك هشام، فقد أخرج روايته الطبراني في الأوسط (2676): حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ قَالَ: نا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَ: نا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَجِيءُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ.

   ومثل ذلك وقع أيضا في روايتين لابن عيينة، الأولى عند النسائي في الكبرى (897): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ يَؤُمُّهُمْ ، فَأَخَّرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ يَؤُمُّهُمْ ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ تَأَخَّرَ فَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ....

   والأخرى عند أبي داود في السنن (600): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : إِنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. 

  فوجدنا هنا أن سفيانا قد روى عنه كل من مسدد ومحمد بن منصور أنه ذكر الحديث من غير قطع بنوع الصلاة التي كان معاذ يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تلك التي يصليها بقومه؛ خلافا لرواياته الأخرى عن عمرو كما سيأتي بيانه، فإنه يفْصل في المسألة، ويصرح بأن التي كان يصليها معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم هي العشاء. وقد جاء ذلك في رواية عبد الجبار بن العلاء عنه، وهي عند ابن خزيمة (1524): أخبرنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنا سُفْيَانُ [بن عيينة]، ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ ، فَيَأُمُّهُمْ، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ مُعَاذٌ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَتَنَحَّى رَجُلٌ وَصَلَّى نَاحِيَةً...

   ولفظ آخر لسفيان أيضا عند مسلم مثل الذي عند بن خزيمة، قال مسلم (465): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ. 

  وكذلك أيضا منصور بن زاذان، فقد جاء في روايته عن عمرو أن تلك الصلاة التي كان يصليها معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم، هي صلاة العشاء، ثم يعود إلى قومه فيصلي بهم، وهذا صريح في أن صلاته بهم إنما هي نافلة، كما جاء في صحيح مسلم، (465): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ.

   وجاء مثل ذلك أيضا في رواية أيوب السختياني عن عمرو، عند مسلم (465): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ.

   ومثل ذلك أيضا لحبيب بن يحيى عند الطبراني في الأوسط (4632): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَّادٍ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : نا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ، فَيَؤُمُّ بِهِمْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 

  ومثلها رواية شعبة عند أبي القاسم البغوي في الجعديات: (1304): حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، وَوَهْبٌ ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ. ولكن هذه الرواية خالف فيها أبو داود الطيالسي، ووهب، خالفا محمد بن جعفر (غندر) خالفاه في الرواية عن شعبة، حيث جعلا الصلاة التي يؤم فيها معاذ القوم هي النافلة، وأما غندر فلم يذكر إلا أنه كان يؤم قومه في العشاء، كما سيأتي في رواية البخاري قريبا، وغندر مقدم على من سواه في شعبة، فإن قال قائل هما اثنان وغندر منفرد، فيقال له: بل وافق سعيد بن عامر في رواية الدارمي عنه، وافق غندرا، وتابعه على قوله؛ فتكون بهذا الرواية المحفوظة عن شعبة إنما هي كون معاذ يصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والعشاء مع قومه.

 كما أن ذلك ورد أيضا عن ابن جريج عن عمرو في شرح معاني الآثار للطحاوي (1519): حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَمْرٍو , قَالَ : أَخْبَرَنِي جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ , ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَهَا بِهِمْ , هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ , وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ. 

   وأما الذين جاء في رواياتهم عن عمرو أن معاذا إنما كان يصلي بقومه العشاء؛ فهم: شعبة بن الحجاج، جاء ذلك عنه في لفظين له، أحدهما عند البخاري (701): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ : فَاتِنًا ، فَاتِنًا ، فَاتِنًا - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ ، قَالَ عَمْرٌو : لاَ أَحْفَظُهُمَا. 

  واللفظ الآخر له عند الدارمي (1323): أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ ، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى الْعَتَمَةَ، [وهو عند أحمد بلفظ: فصلى بهم مرة العشاء فقرأ سورة البقرة] ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَلَّى ، ثُمَّ ذَهَبَ...

  والراوي الثاني الذي جاء هنا موافقا لشعبة عن عمرو، هو حماد بن زيد عند  الترمذي (583): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَغْرِبَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ.

   وهنا نجد أن الرواة التسعة الذين وصلنا هذا الحديث من طريقهم عن عمرو بن دينار، قد اختلفوا فيما بينهم اختلافا واضحا، فذهب الأكثرون منهم إلى أن معاذا لا يعود إلى أهله في بني سلمة إلا بعد أن يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، والذين جاء عنهم هذا من هؤلاء الرواة هم: منصور بن زاذان، وأيوب السختياني، وحبيب بن يحيى، وابن جريج، ووافقهم أيضا على ذلك كل من سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، في لفظ عن كل واحد منهما.

   كما نجد أن كلًّا من سليم بن حيان، وهشام الدستوائي، لم يأت عنهما تفصيل صريح يستفاد منه تحديد نوع تلك الصلاة، هل هي فريضة العشاء، أم نافلة، ووقع هذا في لفظين أيضا لابن عيينة، جاءا مبهمين كذلك.

  وجاءت رواية حماد بن زيد مصرحة بأن معاذا إنما كان يصلي بقومه العشاء، وهو ما جاء أيضا في لفظين صريحين لشعبة بن الحجاج.

   وعند النظر للوهلة الأولى إلى هذه الطرق فإنه يتبادر إلى ذهن الباحث، أن الرواية المحفوظة هنا إنما هي رواية الأكثرين، وهي التي صرحت بأن معاذا لا يأتي إلى قومه إلا بعد تأديته لفريضة العشاء في المسجد النبوي، وعليه فتكون الرواية المقابلة شاذة، لمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه بكثرة العدد مع التساوي في الحفظ والدرجة؛ بل وقد يتقوى ذلك أكثر فأكثر، بوجود رواية بن جريج، التي جاء بها الطحاوي في شرح معني الآثار، وجاء فيها: (( ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَهَا بِهِمْ, هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ , وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ. ))

  ولكن هذا المتبادر غير مُسلَّم، من عدة وجوه، أولها هو: أن هذا التفصيل الذي ذُكر في رواية بن جريج، لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إما أن تكون جملة: (( هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ, وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ )) إما أن تكون من كلام جابر، أو من كلام عمرو، أو هي من عند بن جريج؛ فإن كان الأول ــ أي كونها من كلام جابر ــ فهي شاذة إذًا، لتفرد عمرو بها عنه، حيث لم يشاركه فيها غيره ممن رووا هذا الحديث عن جابر، وهم كما سبق وأن ذكرنا إضافة إلى عمرو بن دينار، كل من محارب بن دثار، وأبي الزبير، وعبيد الله بن مقسم، وأبي صالح. 

   وليس لأحد أن يقول بأن هذه من زيادة الثقة، وهي مقبولة عند كثير من أهل العلم، فيقال له: ليس هذا النوع من الزيادة من ذلك النمط الذي يقبل التفرد به عن باقي الرواة الحفاظ، نظرا لما فيها من تقييد للمطلق، وتخصيص للعام، ولأنها تأتي بحكم مستقل قائم بنفسه، لا يعرف في شيء من النصوص الأخرى، ألا وهو: مخالفة المأموم لإمامه، على ما في ذلك من خروج عن المألوف، وتصادم مع النصوص الأخرى، مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه )). ولا يخرج عن ذلك إلا ما استثناه الدليل.

  وعليه فتكون رواية عمرو مع ثقته وجلالة قدره، شاذة؛ لمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، بكثرة عدد؛ وإذا لم يكن هذا هو الشاذ، فلا وجود إذا لقاعدة الشذوذ التي وضعها أهل هذا الفن، هذا إن سلمنا أنها من كلام جابر رضي الله عنه.

   وأما إن كانت هذه الجملة إنما هي من كلام عمرو، أو مَن دونه، فهي إذًا مدرجة في الحديث ليست من متنه، والمعروف عند أهل العلم أن المدرج لا تقومه به حجة لوحده. 

   وأما الوجه الآخر الذي قلنا بمقتضاه أنه لا يمنكن اعتبار رواية الذين ذكروا أن معاذا إنما كان يصلي العشاء، لا النافلة؛ أن روايتهم ليست بشاذة، بل هي قوية بما فيه الكفاية، للأخذ بها، واعتبار إمامة معاذ كإمامة غيره من الأئمة الذين يصلون بسائر المساجد والجماعات، مفترض يؤمُّ مفترضين، من غير أي مخالفة بين نية الإمام، ونية مأموميه؛ هو أن هذا الحديث الذي سبق وأن ذكرنا إلى حد الآن كل الاختلاف الحاصل في طرقه التي جاءت عن عمرو بن دينار، فإنه قد شارك عمرا في روايته عن جابر لهذا الحديث رواة آخرون، هذا مع العلم أنه لا يرويه من الصحابة غير جابر رضي الله عنه.

  والآن وبعد أن أتينا على كل الطرق التي مدارها على عمرو، وبينا ما فيها من خلاف، حُقَّ لنا أن ننظر إلى بقية الروايات الأخرى عن جابر، فهناك رواية عبيد الله بن مقسم عن جابر، وهذه لم تأت إلا بلفظ واحد، وهو لفظ صريح في كون معاذ رضي الله عنه إنما كان متنفلا حين أمَّ قومه في تلك الصلاة، وقد أخرجها أبو داود في سننه كما تقدم، قال (( 600 )): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ.

  وهذا معضد قوي للرواية التي جاء فيها عن عمرو أن إمامة معاذ كانت حال كونه متنفلا؛ ولكن ماذا عن بقية الطرق، طريق محارب بن دثار، وطريق أبي صالح، وطريق أبي الزبير؟.

  فأما محارب فإنه قد روى عنه حديث معاذ خمسة من أصحابه، ومن بينهم ثلاثة من كبار حفاظ الحديث، وهم لأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، ومعهم كل من محمد بن قيس، وسعيد بن مسروق وهو والد سفيان.

  وقد اختلف هؤلاء المذكورون في ألفاظهم التي رووا بها هذا الحديث، وأعني هنا مسألة تحديد نوع الصلاة، فهذا هو محل النقاش، وإلا فبقية القصة متفق عليها، ولا مناقشة في صحتها أصلا؛ وأصحاب محارب، إنما دار خلافهم بين كون تلك الصلاة كانت صلاة المغرب، وبين كونها صلاة العشاء، ومنهم من لم يحدد صلاة بعينها، ولكن لم يأت عند واحد منهم مطلقا أنه كان متنفلا، وتفصيل رواياتهم على النحو التالي: 

   فأما رواية شعبة عن محارب فقد تقدم أنها عند البخاري (705): حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ.....

  وقد أخرج أحمد في مسنده هذا الحديث فقال (14543): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا حدثنا شعبة عن محارب بن دثار سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري قال أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحان له وقد جنحت الشمس ومعاذ يصلي المغرب فدخل معه الصلاة فاستفتح معاذ البقرة....... وهو من رواية محمد بن جعفر (غندر) عن شعبة، وهو أعلم الناس بحديث شعبة، وقد كانوا يقولون: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم. 

   ولشعبة روايتان أخريين، إحداهما عند عبد بن حميد في مسنده (1104): ثنا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًا ، يَقُولُ: صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ الْمَغْرِبَ ، فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ أَوِ النِّسَاءَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ وَمَعَهُ نَاضِحٌ لَهُ، فَتَرَكَ النَّاضِحَ وَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا رَآهُ قَدْ أَبْطَأَ أَشْفَقَ عَلَى نَاضِحِهِ صَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَهُ... 

   والرواية الأخرى ذكرها الطحاوي في شرح معاني الآثار (794): حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ, فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ, فَصَلَّى رَجُلٌ ثُمَّ انْصَرَفَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا....

  ومثلها رواية سفيان عن محارب عند النسائي في السنن (984): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (الثوري) ، عَنْ مُحَارِبِ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِنَاضِحَيْنِ عَلَى مُعَاذٍ وَهُوَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَصَلَّى الرَّجُلُ.

   ونفس الشيء في رواية سعيد بن مسروق عن محارب، ذكرها ابن أبي شيبة في مصنفه (3566): حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَمَّ مُعَاذٌ قَوْمًا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، فَمَرَّ بِهِ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعْمَلُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ ، فَأَطَالَ بِهِمْ مُعَاذٌ،.... فهؤلاء تطابقت رواياتهم على أنها المغرب.

   وأما الأعمش فقد جاءت روايته عن محارب وأبي صالح من غير تفصيل، وقد أخرج روايته هذه النسائي في الكبرى (893): أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، وَ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ مُعَاذٍ فَطَوَّلَ بِهِمْ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ...

   وكذلك رواية محمد بن قيس عن محارب، جاءت مطلقة، وقد أخرجها الطبراني في الأوسط (2764): حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ قَالَ : نا أَبِي قَالَ : نا وَهْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنِ الْأَنْصَارِ بِنَاضِحَيْنِ ، فَبَادَرَ يَعْلِفُهُمَا اللَّيْلَ ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنَ مُعَاذٍ حِينَ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَدَخَلَ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَ مُعَاذٍ ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَمَا عَدَا أَنْ رَأَى ذَلِكَ الْفَتَى ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَتَرَكَ مُعَاذًا...

  ولكن وجود مؤذن يقيم الصلاة، كما جاء مصرحا به في هذه الرواية وغيرها، يعتبر مؤشرا قويا على أن معاذا لم يكن متنفلا، إذ متى كان يؤذن أو يقام للنافلة. 

 وللأعمش رواية أخرى عن محارب أيضا ولكنها صريحة في كون معاذ إنما كان يصلي العشاء، وهي عند النسائي في السنن (997): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنُ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَامَ مُعَاذٌ فَصَلَّى الْعِشَاء الْآخِرَةَ فَطَوَّلَ....

   وليس في هذه الطرق ذكر للنافلة مطلقا، وإنما دار الخلاف بين أصحابها فقط بين من ذكر منهم المغرب، ومن ذكر العشاء؛ وهو ما يجعل احتمال كونها نافلة، احتمالا مستبعدا إلى حد كبير؛ وهذا التفصيل الأخير خاص بما جاء من الألفاظ التي مدارها على محارب بن دثار.

   وأما أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وهو رابع أصحاب جابر الذين نقلوا عنه هذه القصة، فإن الألفاظ التي نقلت عنه لم تختلف مطلقا في كونها صلاة العشاء، بل جاءت كلها مصرحة بذلك تصريحا جليا واضحا لا يحتمل أكثر من معنى، وقد تواطأت روايات ثلاثة من خواص أصحابه عنه بذلك؛ وهم الليث بن سعد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة. 

   فأما رواية الليث عن أبي الزبير فهي عند مسلم في صحيحه (465): وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، ح قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ . فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا ..... ومثله للنسائي وابن ماجه سندا ومتنا. 

   وأما رواية ابن جريج عنه فقد أخرجها عَبْدُ الرّزاقِ في مصنفه (3603): عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَا فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَفَ نَاضِحَهُ، وَأَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، فَنَزَّلَ الْفَتَى عَلَفَهُ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ، وَحَضَرَ الصَّلَاةَ، وَافْتَتَحَ مُعَاذٌ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ... 

   وأما التي جاءت عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر، فأوردها ابن حبان (1871): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكِ الْأَعْلَى ، وَالضُّحَى، وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ.

  وبعد جرد هذه الروايات والطرق، تبين أن أصل قصة صلاة معاذ رضي الله عنه بقومه ليلا، قصة ثابتة لا منازعة في ثبوتها، وأنه صلَّى بهم ذات مرة وأطال القراءة، فخرج رجل من القوم، وصلَّى لنفسه، وأن المسألة طُرحت على النبي صلى الله عليه وسلم، فعاتب معاذا على التطويل، وأمره بالتخفيف بالناس، وذكر له سورا من وسط وقصير المفصل ليقرأها إذا أم الناس، فهذا القدر من القصة لا يختلف اثنان في ثبوته، ولم يزد البخاري في الطرق التي أخرجها في صحيحه على هذا،  لكونه هو القدر المتفق عليه من هذه الواقعة بين سائر الرواة.

   وأما محل النزاع، وهو المتعلق بصلاة المفترض خلف المتنفل، فلم يأت البخاري رحمه الله تعالى على ذكره في أي لفظ من الألفاظ التي أوردها في الجامع.

   كما تبين أيضا مما مضى أن مدار قصة معاذ هذه على جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأنه قد رواها عن جابر أربعة من جِلَّة أصحابه، واختلفوا عنه في تحديد نوع الصلاة، ثم رواها عن هؤلاء عدد كبير من أصحابهم، فبلغت مجموع طرق هذا الحديث، قرابة الثلاثين طريقا، منها ما جعل تلك الصلاة نافلة لمعاذ، ومنها ما جعلها مغربا، ومنها ما جعلها عشاء، وهو اختلاف يوجب التوقف في هذه اللفظة، والحكم عليها بالاضطراب، وعدم تقديم بعض تلك الطرق على بعض، لوجود قدر كبير من التكافؤ بين طرقها ورواتها، بحيث يعسر تقديم بعضها على بعض؛ ومن كان لابد مقدما لبعضها، فالأولى بالتقديم هي روايات البخاري، حيث لم يأت عنده ذكر للنافلة مطلقا. 

   ومن أمعن النظر في رواية اثنين من الحفاظ الكبار للحديث، وهما شعبة بن الحجاج، وحما بن زيد، تبين له بما لا يدع مجالا للشك أن معاذا لم يكن يؤم القوم وهو متنفل، فقد أخرج البخاري في صحيحه كما تقدم (701): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ، فَتَّانٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ: فَاتِنًا، فَاتِنًا ، فَاتِنًا - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ ، قَالَ عَمْرٌو : لاَ أَحْفَظُهُمَا. 

  وروى الدارمي (1323): أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ ، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى الْعَتَمَةَ، [وهو عند أحمد بلفظ: فصلى بهم مرة العشاء فقرأ سورة البقرة] ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ...

  وللترمذي (583): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَغْرِبَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ.

   ثم إنه لا ينبغي أن نقول بعد أن ظهر لنا بوضوح هذا التضارب الحاصل بين ألفاظ هذا الحديث، ونعني هنا ما يتعلق منه بتحديد كون معاذ حين خروج الرجل عنه لعلة التطويل، أنه كان يصلي بهم المغرب، كما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث، أم أنه كان يصلي العشاء كما جاء أيضا في بعضها، أم كان متنفلا على وفق ما ورد في البعض الآخر من هذه الطرق؟.

  وهناك من حاول التملص من هذا الاضطراب، بأن يجعل القصة قد حصلت عدة مرات وتكررت، مع أن ذلك مستبعد جدا، وفي الحقيقة أنه لا ينبغي أن نقول بتعدد القصة، وأن ذلك ربما حصل مع معاذ رضي الله عنه في منسبات مختلفة. والذي يجعلنا نقول باستحالة ذلك: هو كونه لا يُمكن أن يتصور أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعاتب معاذا، ويزجره عن هذا التطويل وينهه عنه، ويحذره من أن يكون فتانا، ثم يعود معاذ لمثل ذلك مرة أخرى، ويقع في نفس المخالفة، ثم وفي كل مرة يخرج عنه رجل، ويصلي لنفسه، ثم ينال منه معاذ، ثم يترافعان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يحدد النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ سورا بعينها ليقرأها في صلاته التي يؤم فيها الناس؛ وفي الحقيقة فإننا بذلك نجعل معاذا كأنه لا يبالي بما نُهي عنه، ولا شك عندنا أن معاذا معاذ من مثل هذا الأمر إن شاء الله.

   ثم كيف يمكن في حي من الصحابة أن ينعدم عندهم من يؤمهم، فيحتاجون إلى الاقتداء بمتنفل، حتى يجتمعوا عليه، مع كونهم جماعة، ومستقرون في حيهم، ويجتمعون للصلاة، ويقيمون لها؛ بل والأغرب من ذلك أن نقول بأن معاذا إنما كان يصلي معيدا للعشاء، فلذلك خفي الأمر على بعض النقلة، فذكروا العشاء. إذ كيف يمكن لمن صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مسجده الذي تُعد صلاة فيه بألف صلاة فيما سواه سوى المسجد الحرام، كيف يمكن لمن حصل له هذا الفضل العظيم أن يعيد تلك الصلاة مرة أخرى؟ فهذا ما لا يُتصور.

   وأما كون هذه اللفظة موجودة عند مسلم في الصحيح، فإن التوقف في كلمة أو لفظة في الحديث لا يعني رد الحديث، ولا الحط من قدر صحيح مسلم، بل الأمر لا يعدو كونه تحقيقا ومقابلة للنصوص، من أجل الأخذ بأصح ما اتفق عليه الأئمة، وترك هذه اللفظة ليس أكبر من ترك ما شذّ في الاختلاف في عدد الركوعات في صلاة الكسوف، حيث ورد في بعضها أنه صلى الله عليه وسلم، صلى بهم ست ركوعات، وفي بعضها أنه صلى ثمان ركوعات، كما جاء في هذه الرواية مثلا عند مسلم (908): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ، (( ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ )).

   ولمسلم أيضا (901): وحدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو ابن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات.

   مع أن القصة واحدة، وكان ذلك يوم توفي ولده إبراهيم، والصحيح المعول عليه أنه إنما صلى أربع ركوعات في ركعتين، وأصل القصة ثابت، والحديث صحيح من حيث الجملة، ولكن هذه الألفاظ الأخرى شاذة، ولا يمكن الأخذ بها، مع أن الحديث صحيح. وطرقه هذه المشار إليها موجودة في صحيح مسلم، إلا أن العلماء إنما اعتمدوا في هذا على الألفاظ والروايات التي وافق فيها مسلم البخاري، وأعرضوا عن ما سوى ذلك.  

   ومثله أيضا الحديث الذي جاء فيه أن خلق التربة كان يوم السبت، ولفظه عند مسلم (2789): حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ.

  وقد بين أئمة الحديث، كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط. بل وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه الله هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد". انتهى.

  وكذلك حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقد جاء فيه عند مسلم: "ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم يمينُه ما تنفق شمالُه". فهي لفظة وقع فيها قلب، والمحفوظ هو ما جاء في البخاري وغيره: "ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنْفِقْ يمينُهُ".

  ونحو هذا من الروايات التي هي على ندرتها في مسلم، أو غيره من المصادر الصحيحة، حصل فيها نوع اضطراب في بعضها، أو شذوذ، أو قلب في البعض الآخر، فهي موجودة، ولكنها نادرة جدا، خاصة في صحيح مسلم، ويأب الله إلا أن لا يخلو عمل بشري من نوع نقص، مهما كانت درجة ومكانة ذلك العمل، فسبحان من لا يعتريه الخطأ ولا النقص. مع أن وجود هذه الأخطاء اليسيرة النادرة، لا يؤثر في مكانة هذا الكتاب النفيس، الجليل القدر، العظيم المكانة، المقبول عند جماهير المسلمين على مر العصور والأزمنة، وفي سائر الأقطار والأمصار، فرحم الله مسلما وجميع أئمة الحديث، وجزاهم عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء.

   وبالعودة إلى موضوعنا، فنقول بأن هذا الحديث المتعلق بقصة صلاة معاذ وإمامته لقومه، هو حديث صحيح ثابت، يُعتبر في أعلا درجات الصحة، لاتفاق الشيخين عليه، إلا أن المتفق عليه هو أصل الحديث، لا جميع ألفاظه التي وردت في مختلف طرقه، ومن ذلك: جملة: "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ". فهذا القدر من الحديث ليس هو مما اتفُق عليه، بل وليس له ذكر في البخاري، وبهذا يتبن لنا أن من يعزو هذه اللفظة للمتفق عليه، فإنه تنقصه الدقة إلى حد ما، كما اتضح ذلك جليا بعد هذا البحث المتواضع.

  وأما بالنسبة للحديثين الآخرين الذيْنِ يعضد بهما القائلون بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل قولهم؛ فقد رُويا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى؛ أحدهما من حديثه عن أبي بكرة، وقد أخرجه النسائي في السنن (1551): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْقَوْمِ فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى بِالْقَوْمِ الْآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا.

   والآخر من حديث الحسن عن جابر وهو أيضا عند النسائي (1552): أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ.

  والحديثان يدلان بظاهرهما على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤم الطائفة الثانية حال كونه متنفلا، وهذا بدوره يدل على جواز اختلاف النية بين الإمام والمأموم. وعلى ذلك فهو صالح لأن يُعضَّدَ به القولُ المتقدمُ، بل ويعتبر دليلا قويا لو صح الحديثان، وسَلِما من أن يكون في كل واحد منهما مقالا؛ ولكن ذلك هو ما لم يحصل، لكون الحديث الأول قد ورد من طريق آخر لم يأت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد سلَّم بعد ركعتين ثم صلى صلاة ثانية بالطائفة الأخرى، وقد أورد النسائي نفسُه هذا الحديث من الطريق الأخرى حيث قال (1555): أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ وَالَّذِينَ جَاءُوا بَعْدُ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.

   وهنا نجد أن يحيى بن سعيد القطان لم يذكر عن أشعث سلام النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين، خلافا لخالد بن الحارث الهجيمي، الذي ذكر ذلك، ولا شك عند أهل العلم بالرواية، والأسانيد ودرجات الرجال، أن القطان مقدم على خالد، وبكثير، إذ الفرق بينهما شاسع جدا، مع جلالة قدر خالد طبعا.

   وأما الحديث الآخر فهو أيضا وقع فيه نفس الشيء، حيث خالف فيه قتادةُ يونسَ بن عبيد، لكون الأخير لم يذكر التسليمة الأولى، بل جعلها صلاة واحدة بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عند النسائي (1554): أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وُجُوهُهُمْ قِبَلَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامُوا مَقَامَ الْآخَرِينَ، وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. 

   وقد نص أهل العلم على أن يونس مقدم على قتادة في حديث الحسن، حيث قال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى، ما نصه: "يونس بن عبيد أحب إلي في الحسن من قتادة، لأن يونس من أصحاب الحسن، وقتادة ليس من أقران يونس".

  ومن أجل هذا قام النسائي بإيراد روايتي يحيى بن سعيد القطان، ويونس بن عبيد، بعد ذكره لروايتي خالد بن الحارث وقتادة، ومعلوم أن النسائي عادة ما يختم كل باب بأصح ما فيه، بعد أن يكون قد ذكر في أوله الروايات الأدون، والكلام هنا باعتبار أغلب تصرفاته طبعا، وهذا معروف من منهجه رحمه الله. وقد أتت رواية الشيخين لهذا الحديث مصرحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى أربع ركعات، والجماعة صلوا ركعتين ركعتين، وما في الصحيحين أصح، وأقوى. وقد جاءت روايتهما من طريق أبي سلمة عن جابر رضي الله عنه: مسلم (843)..... فنُوديَ بالصلاةِ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتَينِ، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفةِ الأخرى ركعتَين، قال فكانت لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أربعَ ركعاتٍ، وللقومِ ركعتانِ.  

   فإن قال قائل: إنما جاء في روايتي خالد وقتادة هو زيادة من الثقة، والأصل قبولها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. فنقول له: إن هذا التعليل الذي ذكرناه هنا ليس وحده هو ما جعلنا نتوقف في تينك الروايتين، وإنما لوجود عامل آخر لا يقل شأنا، ألا وهو: عنعنة الحسن البصري في الروايتين معا، ولم تأتيا عنه إلا معنعنتين، وعنعنته عن الصحابة معروف عند أهل الفن أنها ليست كعنعنته عن التابعين، إذ الثانية عندهم أقوى من الأولى، وعلى هذا فإنه من المحتمل ألا يكون قد سمعه منهما ـــ أي من أبي بكرة، وجابر رضي الله عنهما ـــ أي أنه ربما لم يسمع منهما هذين الحديثين بالذات، وإن كان قد ترجح سماعه من أبي بكرة في أحاديث قليلة، ولكن هذا الحديث ليس مما نص حافظ على كونه سمعه منه، وليست قصته مع سمرة بن جندب منا ببعيد، حيث ثبت سماعه لحديث العقيقة منه، ومع ذلك لا تُقبل عنعنته عنه في غير ذلك الحديث؛ إذًا فقد صار احتمال عدم سماعه لهذين الحديثين من صحابييهما احتمالا واردا وقويا؛ والمقرر عند أهل الأصول أن الدليل إذا دخل عليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

  وعلى هذا فإن الذين منعوا اقتداء المفترض بالمتنفل، لم يكن ذلك منهم لكونهم جهلوا هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث التي ذكرنا وبينَّا طُرقها، والأبعد من ذلك أن يبلغهم الحديث ثم يمتنعون من العمل به، وهم أئمة السنة، وإنما لكون هذه الجملة من هذه القصة لم تثبت عندهم، والذي جعلهم يُعرضون عنها هو هذا التباين الشيديد في ألفاظ رواتها، فترَكها هؤلاء الجهابذة الذين افتتحنا هذا البحث بذكرهم، وذكر مذاهبهم في المسألة، وتشبثوا بوجوب التوافق بين الإمام والمأموم في كل شيء، وذلك هو الأصل كما تقدم، والله عز وجل أعلم.

   ونصل في خاتمة بحثنا هذا إلى أنه لا ينبغي أن يقتدي المفترض بالمتنفل، لعدم إمكان الجزم بثبوت ذلك من وجه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتياط يقتضي الخروج من الخلاف، ومطابقة المأموم لإمامه وموافقته له في النية والأقوال والأفعال. والله تعالى أعلم وهو ولي التوفيق، والحمد لله رب العلمين.

 المراجع المعتمدة في هذا البحث

(1) صحيح البخاري.

(2) صحيح مسلم.

(3) السنن الأربعة.

(4) مسند أحمد.

(5) سنن الدارمي.

(6) مصنف ابن أبي شيبة.

(7) معاني الآثار للطحاوي.

(8) صحيح ابن حبان.

(9) صحيح بن خزيمة.

إضافة إلى بعض المصادر والمراجع الأخرى المتعلقة بعلوم الحديث.

تمنراست بتاريخ: 24 شعبان 1440 هــ. الموافق: 29 ابريل 2019 للميلاد. 


كتبه: لحسن بن محمد يحيى بن حامد سليماني. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.


الرئيسية
صوتيات
مرئيات
فتاوى
ترجمة
استفت الشيخ
الرجوع

تفعيل التنبيهات

اسمح لنا بإرسال تنبيهات لك لتصلك إجابة الشيخ فور نشرها مباشرة على جهازك.

البث المباشر مستمر، انقر للتشغيل.
البث المباشر
|
0 مستمع حالياً
جاري الاتصال...